Content feed Comments Feed

رجل لم يعمل خيراً قط

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال رجل لم يعمل خيرا قط : فإذا مات فحرقوه ، واذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر ؛ فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت ؟ ، قال من خشيتك وأنت أعلم ، فغفر له ) متفق عليه .
تابعوا الباقة الرمضانية على مدونة BOOKS من Alph@.M

في إستقبال رمضان الكريم .

افي إستقبال شهر رمضان الكريم يحتاج المرء إلى من يوجهه إلى الطريق الصحيح ، ونحتاج ايضاً إلى من يشعرنا بفرحة رمضان التي إفتقدناها منذ زمن حتى نسينا كيف كانت . ولن يشعرنا بهذه الفرحة غير الوهاب الكريم رب الخلائق رب العالمين ؛ إذاً نحن بحاجة ملحة إلى التقرب إلى الله تعالى في شهر الرحمة والمغفرة ، وههذا طبعاً لا شك فيه ...
تابعوا الباقة الرمضانية على مدونة BOOKS من Alph@.M

أبو بكر الصديق

كان أبو بكر من أوائل من أسلم من الصحابة، حتى قيل إنه أول من أسلم إطلاقاً من الذكور؛ بينما يتبنى الشيعة الروايات التي تقول بأن علي بن أبي طالب أول الذكور إسلاماً . وتقول الروايات إنه الوحيد الذي أسلم دون تردد وصدق دعوة محمد على الفور
تابعوا الباقة الرمضانية على مدونة BOOKS من Alph@.M
CahayaBiru.com
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عادات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عادات. إظهار كافة الرسائل

الهدي النبوي في المجالس

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy الخميس، 8 أكتوبر 2009

جرت عادة الناس على اللقاء في المجامع والمنتديات للنقاش حول شؤون الحياة ومجرياتها واستعراض ما يُثار من القضايا والأخبار ، ويحلو السمر ويطيب اللقاء بذكر القصص والطرائف والذكريات .
والإسلام يعلم حاجة الناس إلى مثل هذه اللقاءات ولا يمنع منها ، لكنّه يسعى من خلال تعاليمه ومبادئه إلى الرقيّ بها ، وتصحيح مسارها ، وتنظيم شؤونها ، وتخليصها من مساوئ الأخلاق ورذائل الأفعال ، حتى تكون أنموذجاً تسود فيه ألوان القيم والفضائل.
وإذا كان الناس يتفاوتون في طبائعهم وأخلاقهم وإيمانهم ضعفاً وقوّة ، فقد جاء التوجيه النبوي باختيار الأفاضل من الناس ، من العلماء والصالحين وذوي المروءة ، ففي مجالسة أمثال هؤلاء حياة للقلوب وتنوير للعقول وتهذيبٌ للأرواح ، ويضرب لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مثلاً للجليس الصالح وجليس السوء في قوله : ( مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك : إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثا ) متفق عليه .

وحرصاً على البعد عن معاني اللهو والغفلة جاءت النصوص الشرعيّة لتحذّر من المجالس التي تخلو من ذكر الله ، ونلمس هذا في قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه الا رأوه حسرة يوم القيامة ) رواه أحمد ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله ، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار ، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة ) رواه أحمد .
وخير المجالس هي التي تكون قائمةً على ذكر الله وتلاوة القرآن ، وكفى بهذه المجالس فضلاً أن يُذكر أصحابها في الملأ الأعلى كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيّارة يتبعون مجالس الذكر ، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم ، وحفّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم ، حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا ، فإذا تفرّقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء ، فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم : من أين جئتم ؟ ، فيقولون : جئنا من عند عباد لك في الأرض ، يسبّحونك ويكبّرونك ، ويهلّلونك ويحمدونك ويسألونك ، قال : وماذا يسألوني ؟ ، قالوا : يسألونك جنتك ، قال : وهل رأوا جنّتي ؟ ، قالوا : لا أي رب ، قال : فكيف لو رأوا جنّتي ؟ ، قالوا : ويستجيرونك ، قال : ومم يستجيرونني ؟ ، قالوا : من نارك يا رب ، قال : وهل رأوا ناري ؟ ، قالوا : لا ، قال : فكيف لو رأوا ناري ؟ ،  قالوا : ويستغفرونك ، فيقول : قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا ، وأجرتهم مما استجاروا ، فيقولون : رب فيهم فلان ، عبد خطّاء ، إنما مرّ فجلس معهم ، فيقول : وله غفرت ؛ هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ) رواه مسلم .
وليس معنى ذلك النهي عن مجالس الأنس المباح وأحاديث الدنيا على العموم ، فإن النفس لا غنى لها عما يسلّيها ويعيد لها نشاطها ، ومواعظ النبي – صلى الله عليه وسلم – لم تكن على الدوام بل كانت بين الحين والآخر خشية السآمة والملل ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يمتنع عن مجالسة أصحابه حينما كانوا يتذاكرون أمور الجاهليّة ، ويمزحون في أوقات راحتهم ، فإذا كان وقت الجدّ رأيت الرجولة والهمّة والنشاط ، والعبادة والذكر والطاعة ، يقول بكر بن عبد الله رضي الله عنه : " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ – أي يترامون به - ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال " رواه البخاري في الأدب المفرد .
والمقصود هو الابتعاد عن مقارفة الآثام والمعاصي كالاستماع إلى الغناء المحرّم ، أو النيل من أعراض الناس بالغيبة والنميمة ، والسخرية والاستهزاء ، وغيرها من الأخلاق الذميمة التي جاء الوعيد الشديد عليها ، فإذا طهّرت المجالس من تلك الآفات فقد تحقّق مراد الشارع .
ولأن مجالس الناس لا تخلو - عادة - من الغفلة أو وقوع الزلّة ، شرع النبي – صلى الله عليه وسلم – كفّارة المجلس حيث قال : ( من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ) رواه الترمذي ولنا في نبيّنا عليه الصلاة والسلام أسوةٌ حسنة فقد كان يستغفر الله تعالى في المجلس الواحد أكثر من مائة مرّة .
ومن الأدعية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قوله في ختام مجالسه : ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ) رواه الترمذي .
وقد وضع النبي – صلى الله عليه وسلم – جملةً من الآداب التي ينبغي مراعاتها في المجالس ، منها الإفساح للقادمين وتوسيع المكان لهم ، وهو أدبٌ قرآني رفيع كما في قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ( المجادلة : 12) ، وخير المجالس أوسعها كما جاء في الحديث الصحيح .
ومن محاسن الآداب التي جاء الأمر بها : السلام عند القدوم وعند الذهاب ، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم ، فإن بدا له أن يجلس فليجلس ، ثم إذا قام فليسلم ؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة ) رواه الترمذي ، وكذلك الجلوس حيث ينتهي المجلس ، وهكذا كان حال الصحابة في مجالس النبي – صلى الله عليه وسلم – كما روى ذلك أبو داود في سننه .
وقد أرشد الهدي النبوي بخصوص آداب المجلس إلى أن من قام من مجلسه فهو أحق بالعودة إليه ، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم – : ( إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ) رواه مسلم .
وليس في الجلوس على الطرقات مانعٌ إذا تمّت مراعاة حقوق الطريق ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إياكم والجلوس بالطرقات ) فقالوا : يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها ، فقال : ( فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ) ، قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ ، قال : ( غض البصر ، وكفّ الأذى ، وردّ السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ) متفق عليه .
وهناك عدد من الأمور التي جاء النهي عنها مما يكون في مجالس الناس ، كالنهي عن إقامة الرجل من مجلسه ليجلس فيه آخر ، وذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم – ( نهى أن ُيقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ) متفق عليه ، كذلك النهي عن التفريق بين الجالِسيْن في قوله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ) رواه الترمذي ، والنهي عن الجلوس بين الظل والشمس في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقعد بين الظل والشمس رواه الحاكم .
ومما جاء في آداب المجالس – علاوة على ما تقدّم – النهي عن تبادل الجالسين الحديث سرّاً دون أحدهم إلا بإذنه ، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما ؛ فإن ذلك يحزنه ) متفق عليه واللفظ لمسلم .
وحفاظاً على خصوصيّات الناس جاء النهي عن الاستماع إلى الآخرين من غير إذنهم ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرّون منه ، صُبّ في أذنه الآنك يوم القيامة ) رواه البخاري ، والآنك هو الرصاص المذاب ، وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما ) رواه ابن عساكر .
وللمرء أن يجلس على الوضعية التي يرتاح لها ، فإن شاء جلس متربّعاً ، وإن شاء جلس متكئاً ، وكلّ ذلك ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ، إلا أنه قد جاء النهي عن جلساتٍ بعينها ، فجاء النهي عن الاعتماد على اليد اليمني وجعل اليُسرى خلف الظهر لأنها تشبه جلسة المغضوب عليهم ، فقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أحد الصحابة وقد وضع يده اليسرى خلف ظهره ، واتكأ على ألية يده اليُمنى  فقال له : ( أتقعد قعدة المغضوب عليهم ؟ ) رواه أبو داود .
كما نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الاحتباء ، وهو أن يقعد الرجل على أليتيه وينصب ساقيه ويلفّ عليه ثوباً لا يكون ساتراً لعورته ، وجاء النهي عنه في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اشتمال الصمّاء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء ، متفق عليه.
وبمثل هذه الآداب قدّم النبي – صلى الله عليه وسلم - للناس صورة مثاليّةً في مضمونها وطبيعتها وما تحقّقه من التوازن بين متطلّبات الدنيا وأمور الآخرة .


مهما بلغ الإنسان من القوّة والنشاط فلابدّ له أن يأوي إلى فراشه أخيراً ، وهذه ضرورةٌ لا يمكن الاستغناء عنها ، فالنوم فرصةٌ تتيح للجسد الراحة والاسترخاء ، وللفكر أن يبتعد قليلاً عن مطارق الهواجس والخواطر التي ترهق العقل وتشغل البال ، وهو السكون الذي امتنّ الله به على عباده في قوله تعالى : { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } ( يونس : 67 ) وقوله تعالى : { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا } ( الفرقان : 47 ) .
وجوانب القدوة والأسوة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم – امتدّت لتشمل هديه في نومه واستيقاظه ، فقد أحاط عليه الصلاة والسلام هذه الحاجة الإنسانية بجملة من الآداب ، ورتّب عليها عددا من الأحكام .
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_20083_sleep-15-12-2003.jpgوفي هذه الآداب وتلك الأحكام يظهر حرص النبي – صلى الله عليه وسلم - على ربط المسلم بخالقه في كل الأحوال ، فعندما كان عليه الصلاة والسلام يريد أن يعطي جسده حقه من الراحة بعد عناء نهار طويل يستحضر عظمة الله ، ويستذكر جملة النعم التي أنعم الله بها عليه في يومه وليلته ، ويظهر ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام عندما يأوي إلى فراشه ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) رواه مسلم فهي ألوانٌ من النعم المستوجبة للحمد والشكر لمعطيها ومانحها .
وكذلك كان - صلى الله عليه وسلم – إذا أسلم النفس لراحتها ذكَّرها بأن أمرها أولاً وآخراً بيد بارئها لا بيد أحدٍ غيره، فيقول داعياً: ( اللهم أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رهبة ورغبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ) متفق عليه ، وقد علّم النبي عليه الصلاة والسلام البراء بن عازب رضي الله عنه هذا الدعاء وأمره أن يجعله آخر ما يتكلّم به ، وبشّر قائلها أن من مات على تلك الحال بأنه يموت على الفطرة كما جاء في نص الحديث .
وفي هذا الدعاء بيان للحال الذي على المسلم أن يكون عليها وهو على فراش نومه ، إنه حال الاستسلام والتسليم إلى خالق النفس وبارئها، وقريب من هذا الدعاء دعائه - صلى الله عليه وسلم - على تلك الحال بقوله : (باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ) متفق عليه.
وهناك العديد من الأذكار والأدعية التي جاءت عن النبي – صلى الله عليه وسلم –  قبل النوم ، منها قوله : ( اللهم اغفر لي ذنبي ، وأخسئ شيطاني ، وفك رهاني ، واجعلني في الندي الأعلى ) كما ثبت في سنن أبي داود .
ومن الأدعية الواردة كذلك عند النوم ، قوله – صلى الله عليه وسلم –: ( اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ) رواه مسلم .
كذلك كان من هديه - صلى الله عليه وسلم – بعد الوضوء والاستعداد للنوم أن يجمع كفيه ، وينفث فيهما قارئاً سور الإخلاص والمعوّذتين ، ثم يمسح بكفّيه ما وصل إليه من جسده ، وبعد ذلك يضع يده تحت خده الأيمن ثم يدعو ثلاث مرّات : ( اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) رواه أبو داود وأحمد .
وفي سياق أحاديث نبويّةٍ أخرى ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قراءة سور أخرى من القرآن الكريم ، كسورة الملك وسورة السجدة ، وسورة الإسراء والزمر ، وآخر آيتين من سورة البقرة ، و"المسبّحات" وهي سور الحديد والحشر ، والصف والجمعة ، والتغابن و الأعلى .
ومن الأذكار الواردة كذلك  التسبيح والتكبير والتحميد ، فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً وفاطمة رضي الله عنهما إذا جلسا على الفراش أن يكبّرا أربعا وثلاثين ، ويسبحا ثلاثا وثلاثين ، ويحمدا ثلاثا وثلاثين ، متفق عليه . 
وفي المقابل جاء النهي عن النوم في أوضاعٍ معيّنة لمشابهتها لأحوال المعذّبين يوم القيامة ، ومن ذلك النوم على البطن ، فقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً مضطجعاً على بطنه فقال : ( إن هذه ضجعة لا يحبها الله ) رواه الترمذي ، وفي رواية ابن ماجة : ( إنما هذه ضجعة أهل النار ) .
وأرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – الناس إلى بعض التدابير الاحتياطيّة قبل الذهاب إلى النوم ، من إطفاء السرج وإغلاق الآنية وإخماد النيران ، حمايةً للبيوت من خطر بعض الهوام والحيوانات الصغيرة التي قد تعبث بمتاع الناس أو تكون سبباً في اشتعال الحرائق ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ) متفق عليه ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أغلقوا الباب ، وأوكئوا السقاء ، وأكفئوا الإناء أو خمّروا الإناء – أي : قوموا بتغطيته - ، وأطفئوا المصباح ؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا – أي بابا مغلقا - ولا يحلّ وكاء ، ولا يكشف آنية ، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم) رواه الترمذي ،ويقصد بالفويسقة الفأرة .
ومن هذه التدابير الواقية التي جاء الأمر بها : غسل اليدين قبل النوم إذا كان بهما شيءٌ من بقايا الطعام ، ويؤكّد النبي – صلى الله عليه وسلم - على ذلك بقوله: ( من نام وبيده غمر – أي دسومة وشحم - قبل أن يغسله فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه ) رواه البخاري في الأدب المفرد .
وإذا استيقظ الإنسان أثناء نومه فزعاً ، فعليه أن يقول : ( أعوذ بكلمات الله التامات ، من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ) كما ثبت بذلك الحديث في مسند الإمام أحمد .
ومن خصوصيّات النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه كانت تنام عينه ولا ينام قلبه ، وذلك لحضور قلبه ودوام استشعاره عليه الصلاة والسلام لعظمة خالقه وبارئه .
أما حاله - صلى الله عليه وسلم – عند الاستيقاظ من النوم فكان كحاله قبله ، دوام ذكرٍ ومزيد شكرٍ للخالق سبحانه وتعالى على نعمة الحياة بعد الممات ، فكان يقول : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )  رواه أبوداود .
ولما كان من طبيعة النائم عدم التحكّم في تصرّفاته جاء الأمر بغسل اليدين قبل الوضوء أو استخدام الآنية لإزالة ما قد يكون أصابها من نجاسة حال النوم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه ؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) متفق عليه .
ومن السنّة أيضاً نوم القيلولة ، وهو الاستراحة في نصف النهار ، وذلك في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( قيلوا فإن الشياطين لا تقيل ) رواه الطبراني .
وبعد : فهذه إشراقةٌ من هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في نومه ويقظته ، جاءت لتؤكّد أن حياته عليه الصلاة والسلام لم تخلُ في لحظة من لحظاتها ، أو حالة من حالاتها ، من ذكر الله سبحانه وتعالى ، والتعلّق به ، وتفويض الأمر إليه .

الهدي النبوي في الاستشارة

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy السبت، 3 أكتوبر 2009

الإسلام في شريعته المنزّلة ومنهجه المرسوم عقدٌ تنتظم فيه صور الكمال في المقاصد ، والسمو في المباديء ، والإحكام في القواعد ، وما مبدأ الشورى إلا صورة من صور هذا الكمال ، فمن خلاله تُبسط الآراء وتناقش القضايا ، بين النُخبة من أفراد الأمة ، لتقرير ما يرتّب شؤون الحياة ويحفظ توازن المجتمع .

والشورى هي نظامٌ اجتماعي ، وأصلٌ من أصول الحكم ، يسعى لتلبية حاجات الناس المتجدّدة وحلّ مشكلاتهم المختلفة ، بإشراك أرباب العقول وذوي الأفهام في الفكر والرأي .
وتظهر مكانة الشورى في الإسلام من خلال اقترانها بأوصاف المؤمنين الصادقين في قوله تعالى : { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم } ( الشورى : 38 ) ، يقول الإمام الجصاص : " هذا يدل على جلالة موقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة " ، علاوةً على كونها السبيل لاستقرار الأسرة المسلمة وائتلافها ، قال تعالى : { فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } ( البقرة : 233) .
ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه بمشاورة أصحابه بالرغم من استغنائه عن آرائهم ، فقد تكفّل الله بإرشاده وتوجيهه ، ولكنّه إرشادٌ للأمة بضرورة العمل بهذا المبدأ ، قال تعالى : { وشاورهم في الأمر } ( آل عمران : 159 )  .
فكان – صلى الله عليه وسلم – أكثر الناس مشورة في أحواله كلّها ، في السلم والحرم ، وأمور الخاصّة والعامة ، حتى شهد أصحابه بذلك .
ففي أمور الحرب ، تبرز مواقف النبي – صلى الله عليه وسلم – التي شاور أصحابه فيها ، ابتداء بغزوة بدر ، حيث شاورهم فيها حول الخروج لملاقاة العدو ، واختيار المكان الذي ينزلون فيه ، وفي شأن الأسرى وكيفيّة التعامل معهم .
وفي غزوة أحد ، استشار النبي – صلى الله عليه وسلم – في اختيار المكان الذي يحارب منه المسلمون ، ونزل على رأي من أراد الخروج ، كما أخذ عليه الصلاة والسلام بمشورة صاحبيه بعد المعركة في ملاحقة فلول قريش ومطاردتها .
وعندما أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بفكرة بناء الخندق ، استحسن النبي – صلى الله عليه وسلم – فكرته وأمر بتنفيذها ، فكانت سبباً رئيسياً من أسباب النصر في تلك الغزوة.
وكثيراً ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يأخذ بمشورة أصحابه حتى وإن خالفت رأيه ، فقد نزل على رأي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما في عدم إعطاء ثمار المدينة لغطفان ، وأخذ بمشورة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقصد المسجد الحرام لأداء العمرة وترك قتال قريش يوم الحديبية ، ومشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه في اختيار معسكر المسلمين في غزوة الطائف ، ورأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم ملاحقة جيش الروم في أرض الشام وضرورة العودة إلى المدينة ، ومنع الصحابة من نحر الإبل حينما اشتدّ بهم الجوع ، وغير ذلك من المواقف الكثيرة التي ذكرها علماء السيرة .
وبعيداً عن شؤون الحرب ، فقد وردت في السيرة النبوية مجموعة من القضايا استشار فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – الآخرين واستمع إلى آرائهم ، ففي يوم الإسراء والمعراج شاور عليه الصلاة والسلام جبريل في تخفيف الصلاة ، وشاور كلاً من علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في قضيّة الإفك ، وشاور الناس في كيفيّة التعامل مع من آذاه في عرضه الشريف ، وفي غزوة الحديبية نزل عند رأي زوجته أم سلمة رضي الله عنها بمباشرة النحر وحلق الشعر بنفسه عندما تثاقل الناس عن فعل ذلك .
وعند استعراض مبدأ الشورى في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم - ، نجد أن لها مجالاً معيّناً ونطاقاً محدّداً لا تتعدّاه ، وهي الأمور التي لم يرد فيها نصٌّ شرعيٌّ من الكتاب والسنّة ، وأما ما ورد فيه نصٌّ فليس أمام المسلم سوى القبول والتسليم ، ولا سبيل إلى تعطيله أو معارضته ، وإنما تكون الشورى في البحث عن كيفيّة تنفيذه بما يتوافق مع أصول الإسلام وقواعده ، وبما يراعي مقتضى الظروف المحيطة وواقع الحال .
وللشورى في حياة الصحابة رضوان الله عليهم مكانةٌ عظيمة ، فقد كانوا حريصين أشدّ الحرص على معرفة رأي النبي – صلى الله عليه وسلم – في مختلف القضايا ليأخذوا به ، فمن ذلك استشارة أبي هيثم رضي الله عنه للنبي – صلى الله عليه وسلم – في اختيار خادمه من السبي ، رواه الترمذي ، واستشارة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام فيمن تقدّم لخطبتها ، فأشار لها بقبول أسامة رضي الله عنه ، فكان زواجها منه سبباً في سعادتها وحلول البركة في بيتها ، رواه مسلم .
وعن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه أن والده جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا رسول الله ، أردت أن أغزو ، وقد جئت أستشيرك " ، فقال له : ( هل لك من أم ؟ ) ، قال : نعم ، فقال له : ( فالزمها فإن الجنة تحت رجليها ) رواه النسائي .
ومن بعد عصر النبوّة أرسى الصحابة رضوان الله عليهم مبدأ الشورى منذ اللحظة الأولى ، فما كان اختيار خليفة المسلمين يوم السقيفة إلا نتاج المشورة بينهم ، ولا إنفاق أموال الفتوحات الإسلامية على الدولة في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه إلا بمشورة أصحابه ، وبذلك صارت الشورى ركيزة أساسية في حياتهم .
وعندما نعود إلى قول النبي – صلى الله عليه وسلم : ( إن المستشار مؤتمن ) رواه الترمذي ، أدركنا ضرورة الصدق والإخلاص في المشورة ليتحقّق المقصود منها ، وفي هذا المعنى يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- : ( من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه ) رواه أحمد .
وهكذا أصبحت المباديء التي قرّرها النبي – صلى الله عليه وسلم – دستوراً للبشريّة ، ومنهاجاً للإنسانيّة ، وعنواناً للأمم الراقية على مرّ العصور.

لا تنشغل بعيوب الناس

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy

لو أبصر المرء عيوب نفسه لانشغل بها عن عيوب الناس ؛ لأن المرء مطالب بإصلاح نفسه أولا وسيسأل عنها قبل غيرها، وقد قال الله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر:38).وقال: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15). ). وقال سبحانه : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(الأنعام: من الآية164).
قال الشاعر:
المرء إن كان عاقلا ورعا     أشغله عن عيوب غيره ورعه
كما العليل السقيم أشغله   عن وجع الناس كلهم وجعه
وإذا كان العبد بهذه الصفة ـ مشغولا بنفسه عن غيره ـ ارتاحت له النفوس ، وكان محبوبا من الناس ، وجزاه الله تعالى بجنس عمله ، فيستره ويكف ألسنة الناس عنه ، أما من كان متتبعا عيوب الناس متحدثا بها مشنعا عليهم فإنه لن يسلم من بغضهم وأذاهم ، ويكون جزاؤه من جنس عمله أيضا ؛ فإن من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته.
يقول الشاعر:
 لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا         فيهتك الله ستراً عن مساويكا
 واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا            ولا تعب أحداً منهم بما فيكا
وقد يكون انشغال العبد بعيوب الناس والتحدث بها بمثابة ورقة التوت التي يحاول أن يغطي بها عيوبه وسوءاته ، فقد سمع أعرابي رجلا يقع في الناس، فقال: " قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها".
يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله تعالى: [والشخص الذي يرى صورة نفسه صغيرة جداً تجده دائماً يضخم عيوب الآخرين، ولذا تبرز شخصية الإنسان من خلال نصيبه من هذه القضية، فإذا عُرف بأنه مشغول بتضخيم عيوب الآخرين والطعن في الناس، فهذه مرآة تعكس أنه يشعر بضآلة نفسه وبحقارتها وأن حجم نفسه صغير؛ لأنه يعتقد أنه لن ينفتح إلا على أنقاض الآخرين، فدائماً يحاول أن يحطم الآخرين، ولذا يكثر نقد الناس وذكر عيوبهم، وهذه مرآة تعكس أن إحساسه وثقته بنفسه ضعيفة، وأنه في داخل نفسه يحس أنه صغير وحقير، فلذلك يشتغل بعيوب الآخرين. يقول عون بن عبد الله رحمه الله: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس.وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: كفى بالمرء إثماً ألا يكون صالحاً، ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين. وقال ابو عاصم النبيل: لا يذكر الناس فيما يكرهون إلا سفلة لا دين لهم].
وقال بكر بن عبد الله: " إذا رأيتم الرجل موكّلا بعيوب الناس، ناسيا لعيوبه ـ فاعلموا أنه قد مُكِرَ به".
والإنسان ـ لنقصه ـ يتوصل إلى عيب أخيه مع خفائه، وينسى عيب نفسه مع ظهوره ظهورا مستحكما لا خفاء به.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجِذْعَ في عينه".
قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه           ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عقل لما عاب غيره             وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى
إن الانشغال بعيوب الناس يجر العبد إلى الغيبة ولابد، وقد عرفنا ما في الغيبة من إثم ومساوىء يتنزه عنها المسلم الصادق النبيل.
كما أن الانشغال بعيوب الناس يؤدي إلى شيوع العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع ، فحين يتكلم المرء في الناس فإنهم سيتكلمون فيه ، وربما تكلموا فيه بالباطل
إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا     عليك، وأبدوا منك ما كان يُسترُ
وإذا رجعت إلى السلف الصالح رضي الله عنهم لوجدت منهم في هذا الباب عجبا؛ إذ كانوا مشغولين بعيوب أنفسهم عن عيوب غيرهم ، بل ينظرون إلى أنفسهم نظرة كلها تواضع مع رفعتهم وعلو شأنهم رضي الله عنهم ، بل كانوا يخافون إن تكلموا في الناس بما فيهم أن يبتلوا بما ابتلي به الناس من هذه العيوب كما قال الأعمش: سمعت إبراهيم يقول: " إني لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلّم فيه إلا مخافة أن أُبتلى بمثله".
وبالإضافة إلى هذا كانوا يوقنون ويعملون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وقد لقي زاهد زاهداً فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، فقال الآخر: لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.
فيا أيها الحبيب لك في نفسك شغل عن عيوب غيرك ؛ ففيك أضعاف أضعاف ما تراه في الآخرين ، فلا تفتح على نفسك باب الغيبة وسوء الظن وهتك أستار الناس بالانشغال بعيوبهم ، ولا تفتح على نفسك باب شر لا يسد بالكلام عن الناس فيتكلموا عنك:
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم     عيوبا ولكن الذي فيك  أكثر
فسالمهم بالكف عنهم فإنهم    بعيبك من عينيك أهدى وأبصر
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الاحترام

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy

أولى الناس بالاحترام والتوقير من كان حظه من الشرع أوفر، ونصيبه من العمل الصالح أكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين" وذلكم هو ميزان التقديم والتكريم.
وصاحب خلق ( الاحترام) يُجِلُّ العلم وأهله، ومن احترامك للعالم أن تستشعر مهابته. روى البخاري أن حذيفة حدّث حديثا عن الفتن، فأراد التابعون أن يسألوه، قالوا:" فهبنا حذيفة أن نسأله...".
وقد كان هذا شأن الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي مرة أرادوا أن يسألوه عمن قضى نحبه، من المقصود به في قوله تعالى: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه..."، قالوا لأعرابي: سله عمن قضى نحبه من هو؟ يقول الراوي: وكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقرونه ويهابونه..." وفي حديث سجود السهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بدل أربع، فظن بعض الصحابة أن الصلاة قصرت، يقول أبو هريرة:" وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه..." وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استحثهم على السؤال فقال: " سلوني ـ فهابوه أن يسألوه" فأرسل الله جبريل على صورة آدمي ليسأله، ولكي يتعلموا دينهم.
ومن احترام العلماء عدم الخوض معهم في نوادر المسائل، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات، قال الأوزاعي: " الأغلوطات شداد المسائل وصعابها"، وقد ورد في الحديث الصحيح:" لا تعلّموا العلم لتُبَاهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار"، فليحذر الذين يسألون ليجادلوا، أو ليختبروا، لا ليتعلموا. فإن شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التوقير والإجلال للعلم وأهله، و " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

وكما وجب الاحترام للعالم، فإن للمتعلم حقه من التوقير والإكرام، يروي أحمد في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلهم ضيوفا على الأنصار: "...فلما أن أصبحوا، قالوا: كيف رأيتم كرمة إخوانكم لكم، وضيافتهم إياكم؟. قالوا: خير إخوان: ألانوا فرشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلمّوننا كتاب ربنا تبارك وتعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم". وأوضح من ذلك ما جاء في الحديث الحسن: " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصية رسول الله. وأفتوهم" فليستوص العلماء بطلابهم خيرا، فإن ذلك يزيد المتعلمين توقيرا وتقديرا لمربيهم ومعلميهم.
وإن من أحوج ما ينبغي التذكير به احترام ذوي سابقة الخير، فقد كان من وصية عمر رضي الله عنه ـ قبل وفاته ـ " أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا، أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا ـ الذين تبؤوا الدار والإيمان ـ أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم". فتجاوز عن زلة من سبقوك في ميدان الدعوة والجهاد، واحفظ لهم قدرهم ولا تنس لهم فضلهم.
يروي أنس أن جريرا بن عبد الله كان يخدمه ـ مع أنه أكبر منه سناًـ. لأن جريرا هذا لم ينس إكرام الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا أجد أحدا من الأنصار إلا أكرمته". ويروي أحمد أن رسول الله صلى عليه وسلم قال في خطبة:"...وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم". وحين يتربى أبناء الأمة على  إكرام ذوي السبق في الخيرات، والأقدمية في خدمة الإسلام، عندئذ يعم الوفاء بين الأجيال.
ومن صور الاحترام المحمودة إكرام الصغير لمن هو أكبر منه سنا، أو أكثر منه فضلا، فإن بن عمر لما عرف جواب سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة التي تشبه المسلم لم يُجب، يقول: " فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُّ..." وفي حديث صحيح: " البركة مع أكابركم". والكبير في قومه لا يليق أن يقابل بغير الإكرام جاء في الحديث الحسن: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه".
ومن كرم المؤمن احترامه لمن سبق أن أحسن إليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينس لبعض المشركين ما كان لهم من دور في الذب عنه وعن دعوته. حتى العرب في جاهليتهم كان من الأخلاق المحمودة لديهم: الوفاء والاحترام لمن أحسن إليهم، فقد روي أن رجلا من المشركين مِثْلَ عروة بن مسعود لما أغلظ له أبو بكر القول في مفاوضات صلح الحديبية، لم يجبه بشيء؛ لما لأبي بكر عليه من جميل سابق لم يكافئه عليه بعد، فلذلك قال: " أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك" وفي حديث صحيح: " من صنع إليكم معروفا فكافئوه". وأدنى ما تكافئ به المحسن إليك أن توقره وتحترمه.
وكل مؤمن حري بالاحترام فلا يُقام من مجلسه ليجلس غيره. وتجب ضيافته. وتشرع مشاورته. ويُشكر على المعروف، وتُؤَدَّى إليه حقوقه غير متعتع، ونقابله بطلاقة الوجه، وندخل السرور إلى قلبه..
والإنسان بطبعه يحب أن يقابل بالاحترام والإكرام، ويطلب من ربه أن يكرمه. جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا و لا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا..."، ألا خابت أمة لا تتبادل خلق الاحترام والتوقير و"حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
إن من كان في  نفسه حقيرا قد لا يقابل الآخرين بالاحترام، والإكرام، والذي يحترم نفسه يُتوقع من مثله أن يحترم الآخرين المستحقين للاحترام. وفي موقف أبي سفيان في جاهليته درس لأصحاب الجاهليات، ولكثير من المسلمين في احترام النفس. إذ أبت عليه نفسه أن يشهد أمام هرقل وأمام الوفد المرافق له من قومه شهادة كاذبة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بن اسحاق يعلل ذلك فيقول: " فوالله لو قد كذبت ما ردوا عليّ. ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك ـ إن أنا كذبته ـ أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به. فلم أكذبه".
وأحيانا يكون الاحترام الشكلي حتى مع من لا يستحق الاحترام لمصلحة شرعية كما كان من مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهرقل بـ(عظيم الروم)، يقول ابن حجر: " لم يُخله من إكرام لمصلحة التألّف" وكثيرا ما يحتاج المسلمون للتعامل بالاحترام والتوقير لمصلحة وحدة الصف وتوفير الجهود، وتأليف القلوب، وإزالة الدخن، وإغاظة العدو...وبقدر ما يحترم بعضنا بعضا نكون في نظر الناس محترمين.

العلاقة بين آل البيت النبوي وبين الشيخين الكريمين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً علاقة خاصة يسودها الود والانسجام والمحبة والاحترام، ويتبادل طرفاها محبة خالصة لله، يشهد بذلك سيرتهم العملية والقولية، فالسيرة العملية هي في دخولتهم في طاعتهم وبيعتهم لهم، وائتمارهم بأمرهم، وأخذهم ما أعطوا، وامتناعهم عما منعوا، فلم يحدث أن خرج أحد من آل البيت النبوي على أحد الخليفتين، ولم يحدث أن امتنع أي من آل البيت النبوي عن طاعتهما، وكانت علاقاتهم الاجتماعية مستقرة فيتزوج عمر من ابنة علي، ويسمي علي أبناءه بأسماء الخليفيتين أبي بكر وعمر، وكذلك فعل غيره من آل البيت تزوجوا من أولاد الخليفتين، وزوجوهم، ولم تشهد العلاقة بينهم أي توترات سوى ما حدث عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اعترضت فاطمة - رضي الله عنها - على أبي بكر - رضي الله عنه - عدم تقسيمه ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلمها - رضي الله عنها - أنه فعل ذلك بناء على وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه فأخذت في نفسها واعتزلته، وسنعرض لذلك بالتفصيل في معرض الرد على من زعم أن هناك عداءً مستحكما بين آل البيت النبوي وبين الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأما السيرة القولية فنذكر في ذلك آثاراً صحيحة وردت عن أئمة آل البيت يعلنون فيها حبهم وولائهم للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا ينقمون عليهما دينا ولا خلقاً .
فعن زر بن حبيش، عن أبي جحيفة قال: سمعت علياً يقول: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ؟ أبو بكر، ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر ؟ عمر . رواه أحمد في فضائل الصحابة . فهذه شهادة من عليٍّ رضي الله عنه بخيرية أبي بكر وعمر، ولم يكتف بهذا القول حتى حذر كل من يفضله عليهما بأن يجلده حدَّ المفتري فعن الحكم بن جحل قال: سمعت علياً يقول: " لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري " رواه أحمد .
ويثني علي على عمر - رضي الله عنهما - في مواطن كثيرة منها أن أبا بكر أراد أن يستخلف أحد الصحابة فاستشار الصحابة في ذلك وقال لهم: إني قد عهدت عهداً، أفراضون أنتم به ؟ فقال القوم جميعاً: نعم، إلا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لا، إلا أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وعندما أُتي عمر - رضي الله عنه - بسيف كسرى ومنطقته وزبرجده قال: إن أقواماً أدوا هذا لذوو أمانة، فقال علي - رضي الله عنه - : إنك عففت فعفت الرعية .
وكان علي – رضي الله عنه – يكثر من لبس بردٍ - ثوب - فسئل عن ذلك فقال: " إنه كسانيه خليلي وصفيي وصديقي وخاصتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن عمر ناصَحَ الله، فنصحه الله، قال : ثم بكى " فأي حب هذا الذي يحمله علي - رضي الله عنه - لأخيه عمر- رضي الله عنه - وأي ذكرى يحملها له في قلبه فيبكي عند ذكراه .
وهذا عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه - يشهد برحمة أبي بكر – رضي الله عنه - بآل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول بكل غبطة وسرور: " رحم الله أبا بكر، كان لنا والياً، فنعم الوالي كان لنا، ما رأينا حاضنا قط كان خيرا منه، إنا لجلوس عنده يوماً في البيت إذ جاءه عمر ومعه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاموا بالباب فاستأذن عمر، وكان الاستئذان ثلاثاً، فاستأذن مرة فلم يؤذن له، ثم استأذن الثانية فلم يؤذن له، فلما كان الثالثة استأذن فقال له أبو بكر: ادخل، فدخل ومعه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبستنا بالباب، استأذنا مرتين فلم تأذن لنا، وهذه الثالثة. فقال: إن بني جعفر كان بين أيديهم طعام يأكلونه؛ فخفت أن تدخلوا فتشركوهم في طعامهم ) فهذه هي رحمة أبي بكر بآل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا عجب من ذلك فهو – رضي الله عنه – يصرّح بالقول: " لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي " متفق عليه وكيف لا يرحم الصديق قرابة حبيبه وصاحبه محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد سمع قول الحق سبحانه: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة   في القربى }(الشورى: 23 ).
ولما ثارت بعض الشكوك حول علاقة الشيخين بآل البيت سأل الكثيرون آل البيت عن ذلك فكان جوابهم صريحاً وقاطعاً: نتولى الشيخين ونترضى عنهما، فهذا أ اخنليامنسيلامناسيب تامايسمنلابسمنيالىلالاىةءالي
سالم بن أبي حفصة،يقول: سألت أبا جعفر وجعفراً، عن أبي بكر، وعمر، - رضي الله عنهما - فقالا لي: تولهما وابرأ من عدوهما، وإنهما كانا إمامي هدى . وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: " تولوا أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما، فما أصابكم من ذلك فهو في عنقي ". وعن كثير النواء، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: أخبرني عن أبى بكر وعمر أظلما من حقكم شيئاً أو ذهبا به ؟ فقال: لا ومنـزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلما من حقنا ما يزن حبة خردل، قال: قلت: أفأتولاهما جعلني الله فداك ؟ قال: نعم يا كثير تولهما في الدنيا والآخرة - قال -: وجعل يصك عنق نفسه ويقول: وما أصابك فبعنقي - قال: ثم قال: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان ، فإنهما كذبا علينا أهل البيت " . وعن سالم بن أبي حفصة، قال: دخلت على جعفر بن محمد أعوده وهو مريض فقال: " اللهم إني أحب أبا بكر وعمر وأتولاهما، اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا تنالني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - " وعن سالم بن أبي حفصة، قال: قال لي جعفر بن محمد: يا سالم أيسب الرجل جده ؟ أبو بكر - رضي الله عنه - جدي لا نالتني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما " . وعن ابن أبي حازم، عن أبيه، قال: سئل علي بن الحسين رضي الله عنه عن أبي بكر، وعمر، - عليهما السلام - ومنـزلتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: كمنزلتهما اليوم، هما ضجيعاه ". وعن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر، ثم ابتركوا - تنقصوا - في عثمان، فلم يتزكوا، فلما فرغوا، قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم فقد برأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } " وعن بسام بن عبد الله الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر قلت: ما تقول في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ؟ فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركنا أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما ". وعن حفص بن قيس، قال: سألت عبد الله بن الحسن، عن المسح على الخفين ؟ فقال: امسح فقد مسح عمر بن الخطاب، قلت: إنما أسألك أنت أتمسح ؟ قال: ذلك أعجز لك حين أخبرك عن عمر، وتسألني عن رأيي، فعمر - رضي الله عنه - كان خيراً مني وملء الأرض مثلي، قلت: يا أبا محمد إن ناساً يقولون: إن هذا منكم تقية. فقال لي ونحن بين القبر والمنبر: اللهم إن هذا قولي في السر والعلانية ؟ فلا تسمعن قول أحد بعدي، ثم قال: هذا الذي يزعم أن علياً كان مقهوراً، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بأمر فلم ينفذه، وكفى بهذا إزراء على علي - عليه السلام - ومنقصة أن يزعم قوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بأمر ، فلم ينفذه " . وعن محمد بن علي، قال: " أجمع بنو فاطمة - عليهم السلام - على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول " روى هذه الآثار جميعها الدارقطني في فضائل الصحابة وغيره .
فهذا موقف آل البيت عليهم السلام من الشيخين الكريمين وزيري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخليفتيه من بعده أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وهذه أقوالهم فيهما،كلها مدح وثناء، وذكر لمحاسنهما، والاحتجاج بأقوالهما وأفعالهما، بل وتبرؤٌ من كل من يعاديهم أو من يتهمهم بمعاداة آل البيت  فكيف يقال: إن هناك عداءً مستحكما بينهما، سبحانك هذا بهتان عظيم .

فضائل الخلفاء الراشدين

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy الخميس، 24 سبتمبر 2009

الخلفاء الراشدون هم الصحابة الذين تولوا الحكم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم – وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – رضوان الله عليهم – وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
ولقبوا بالراشدين لما امتازت فترة حكمهم من حكم رشيد حيث قاموا بنشر الدين خير  قيام، وكانت ولايتهم رحمة وعدلاً، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهدهم لتشمل الشام والعراق ومصر وغيرها .
وامتاز حكمهم بالعدل بين الرعية والتوزيع العادل للثروة، واختفاء مظالم الدولة، وقلة المظالم بين أفراد الأمة، وساد الوئام والألفة المجتمع المسلم في عهدهم ولا سيما في عهد الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما – وكانت فترة حكمهم هي الفترة الذهبية في حكم الدولة الإسلامية، والتي لم تعوضها أي فترة حكم جاءت بعد ذلك .
ولم تأت ولاية هؤلاء الخلفاء الراشدين بناء على احتكار للسلطة أو تفرد بها، وإنما عن اختيار من أهل الحل والعقد لهم وتوافق الأمة عليهم، فكان اختيار الصديق عن اجتماع المسلمين أنصاراً ومهاجرين، واختيار عمر كان بتزكية أبي بكر ورضا المسلمين وإجماعهم عليه، وكان اختيار عثمان عن توافق وتشاور بين الصحابة، وكذلك كان اختيار علي - رضي الله عنهم جميعاً - وإن تفاوتت نسب التأييد لكل واحد منهم .
واختيار المسلمين لهم لم يكن عن محاباة لهم لقرابة أو رهبة أو رغبة وإنما كان لفضائل حازوها، ومؤهلات أهلتهم ليكونوا هم ولاة الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده، وهذه الفضائل هي ما ذكره الله في كتابه والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، ونحن نذكر نبذة منها لكل خليفة حتى يعلم الناس فضلهم وسبب استحقاقهم خلافة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
الخليفة الأول: أبو بكر الصديق – رضي الله عنه -:  واسمه عبد الله بن أبي قحافة، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - صديقاً كونه صدّقه فيما كذبه فيه أكثر الناس من خبر الإسراء والمعراج، فضلاً عن كونه أول من آمنَّ به من الرجال، وهو رفيق النبي في هجرته، وصاحبه في الغار، وملازمه في كل حياته، وله فضائل كثيرة عرفها له النبي – صلى الله عليه وسلم – وسجلها له لتعرف له الأمة قدره، وقد ورد فيه قول الحق سبحانه: { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا }(البقرة:40) روى أنس بن مالك – رضي الله عنه - أن أبا بكر – رضي الله عنه - حدّثه قال: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - - ونحن في الغار- : لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: « ( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) رواه البخاري ومسلم . فوصف الله أبابكر بالصحبة الخاصة المقتضية مزيداً من التشريف، وأشركه مع نبيه في المعية الإلهية المقتضية كمال العناية والحفظ .
ومن الأحاديث الواردة في فضل الصديق تصريحه – صلى الله عليه وسلم – لعمرو بن العاص أن أبا بكر أحب الرجال إليه، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك ؟ فقال: ( عائشة، فقلت من الرجال ؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من ؟ قال: عمر بن الخطاب فعدَّ رجالاً ) رواه البخاري ومسلم .
ومن دلائل فضله ما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما - قال:  خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمنّ علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ) رواه البخاري ومسلم . وأمره – صلى الله عليه وسلم - بسد كل – خوخة – أي كل باب يوصِل إلى المسجد إلا باب بيته، وباب بيت أبي بكر إشارة – والله أعلم – إلى استحقاقه تولي الخلافة من بعده حيث كان المسجد في ذلك الزمان قصر الحكم، وساحة القضاء، ومكان تجهيز الجيوش وعقد الرايات .
وقد شهدت له الأمة بالفضل فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم ) رواه البخاري . فهذه شهادة من صحابي عرفت الأمة له قدره أن أبابكر كان المقدّم فيهم، وكان أفضلهم، وشهادة أخرى من الخليفة الرابع علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الذي حاول البعض إقامة سوق العداوة بينه وبين أبي بكر – رضي الله عنه – إذ يقول: - رضي الله عنه -: " ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ؟ أبو بكر ، ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر ؟ عمر " رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة .
الخليفة الثاني: عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: وهو من أوائل من أسلم، وكان إسلامه – كما وصفه عبدالله بن مسعود – فتحاً، وخلافته رحمة . وفرح المسلمون بإسلامه فرحا عظيماً، فصلوا في الكعبة وكانوا لا يصلون قبل ذلك إلا في بيوتهم، وسار عمر في مسيرة الإسلام سيرة الرجال العظماء فدافع عنه ودافع عن نبيه - صلى الله عليه وسلم – وهاجر مع من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وكان نعم الصاحب لرسول الله الملازم له المتعلم منه، وكان من نوابغ الإسلام، ومن وزراء النبي – صلى الله عليه وسلم – وخاصته، ولا يقدم عليه في الفضل إلا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - .
وقد وردت فضائله في أحاديث كثيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك ) رواه البخاري ومسلم . وذلك لقوة دينه فلا سبيل للشيطان عليه.
ومن فضائله ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدَّثون فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر ) رواه البخاري ومسلم . ومعنى محدثون أي: ملهمون يلهمون الصواب وهي فضيلة عظيمة لعمر إذ اشتهر بآرائه التي ينزل القرآن الكريم بتأييدها .
ومن فضائله قوة دينه التي شهد بها النبي – صلى الله عليه وسلم - فعن  أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( بينا أنا نائم رأيت الناس عُرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعُرض علي عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله ؟ قال: الدين ) رواه البخاري ومسلم .
ومن فضائله شهادة النبي – صلى الله عليه وسلم - له بأنه من الشهداء، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أُحُداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم، فضربه برجله، وقال: اثبت أُحُد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان ومعلوم من هو النبي والصديق وبقي الشهيدان وهما عمر وعثمان فهما اللذان ماتا مقتولين بيد أعداء الأمة ومنافقيها .
ومن فضائله شهادة النبي له بأنه من أهل الجنة فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حائط - بستان - من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - افتح له، وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا أبو بكر فبشرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر ، فأخبرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، ثم قال: الله المستعان ) رواه البخاري ومسلم .
وشهد الصحابة الكرام بفضله كما في أثر ابن عمر السابق . وكما روى ابن عباس – رضي الله عنه - قال: وُضِع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي فإذا علي بن أبي طالب ، فترحم على عمر ، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقي الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت إني كنت كثيراً أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: ( ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ) رواه البخاري ومسلم .
الخليفة الراشد عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي – رضي الله عنه – الملقب بذي النورين لزواجه من ابنتي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان من أوائل من أسلم وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة المنورة، وهو ثالث الخلفاء الراشدين تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - بشورى من المسلمين واتفاق منهم .
من فضائله - رضي الله عنه – ما روته عائشة – رضي الله عنها - قالت :  كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعا في بيتي، كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) رواه مسلم . فهذه فضيلة عظيمة لعثمان – رضي الله عنه - إذ عُرف عنه شدة حيائه، وربما إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على حالته تلك لم يتكلم بما جاء لأجله، ولخرج دون أن تقضى حاجته، فسوى النبي – صلى الله عليه وسلم – ثيابه مراعاة له .
ومن فضائله أنه جهز جيش العسرة، واشترى مربداً – موضع تجفيف التمر - وتبرع به للمسجد، واشترى بئر رومه وجعلها وقفا للمسلمين، فعن الأَحنف بن قيس - رضي الله عنه - :قال : « خرجنا حجاجا، فقدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت، فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا، فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون على بئر في المسجد، فإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص فإنا لكذلك إذ جاء عثمان وعليه ملاءة صفراء، قد قنّع بها رأسه، فقال: أهاهنا علي ؟ أهاهنا طلحة ؟ أهاهنا سعد ؟ قالوا: نعم، قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له ؟ فابتعته بعشرين ألفاً - أو بخمسة وعشرين ألفاً - فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: اجعلها في مسجدنا وأجره لك، قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له فابتعته بكذا وكذا، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: قد ابتعتها بكذا وكذا، قال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك، قالوا: اللهم نعم، قال فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر في وجوه القوم، فقال: من جهز هؤلاء غفر الله له يعني جيش العسرة فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالاً ولا خطاماً قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد ) رواه النسائي .
ومن فضائله بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالجنة، كما في حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه – السابق ذكره .
ومن فضائله ثناء الصحابة عليه فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " كنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم " رواه البخاري .
الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
أول من أسلم من الصبيان، وأول فدائي في الإسلام، حضر بدراً وأحدا وغيرها من المشاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم – واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة عند خروجه لغزوة تبوك .
من فضائله – رضي الله عنه – ما رواه سلمة بن الأكوع – رضي الله عنه -: قال كان علي – رضي الله عنه - قد تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج علي فلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، أو قال يحب الله ورسوله يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراية ففتح الله عليه ) رواه البخاري .
ومن فضائله ما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - :« أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خَلَّفَ عليَّ بنَ أبي طالب في غزوة تبوك ، فقال : يا رسولَ الله، تُخَلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكونَ مني بمنزلة هارون من موسى، غيرَ أنه لا نبيَّ بعدي ) رواه البخاري ومسلم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كان تطييباً لخاطره ورفعاً لما توهمه من انتقاص في حقه بتخليفه على النساء والصبيان، فبين له - صلى الله عليه وسلم - أن ليس في الأمر انتقاص لحقك ولا تنزيل لقدرك وإن كنت استخلفتك على النساء والصبيان لك في هارون – عليه السلام – أسوة إذ استخلفه موسى – عليه السلام – على قومه من بعده فلم يظن في ذلك انتقاصاً، ولم يعد ذلك تنزيلاً من قدره، فطابت نفس علي – رضي الله عنه – لهذا البيان النبوي وسكنت نفسه .
ومن فضائله – رضي الله عنه – ما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ..} (آل عمران:61) دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليّا وفاطمة وحسناً وحُسيناً فقال: « ( اللهم هؤلاء أهلي ) أخرجه الترمذي . فهذا الحديث يدل على أنه – رضي الله عنه – من أهله الخاصين وأقربائه الأدنين .
هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، صحابة نبلاء، وسادة أشراف، اختارهم الله لصحبة نبيه في حياته، واختارهم لخلافته بعد وفاته، فقاموا بما أوجب الله عليهم خير قيام، فنشروا الدين، وبلغوه مشارق الأرض ومغاربها، وأقاموا العدل، ونبذوا الظلم، فأحبوا الناس، وأحبهم الناس، نسأل الله أن يرزقنا حبهم وأن يوفقنا للسير على خطاهم .

تربية الرسول – صلى الله عليه وسلم – لبناته رضي الله عنهن

مرسلة بواسطة Ahmed Magdy الجمعة، 18 سبتمبر 2009

أجمع المؤرخون أن للنبي –صلى الله عليه وسلم- أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وهاجرن هن: فاطمة عليها السلام: ولدت قبل النبوة بخمس سنين، وزينب تزوجها العاص بن الربيع -رضي الله عنه-، ورقية وأم كلثوم تزوجهما عثمان بن عفان –رضي الله عنه- تزوج أم كلثوم بعد وفاة رقية .
و الحكمة من أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أباً للبنات – الله أعلم بها- ويرجعها البعض لأسباب:
منها: أن البنت في عُرف العرب قبل الإسلام عار يستحق الدفن حياً قال الله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}].

جاء في تفسير هذه الآية: بأن الكظيم هو الكئيب من الهم، ويمسكه على هون: أي يبقى البنت مهانة لا يورثها ولا يعتني بها ويفضل أولاده الذكور عليها .
فشاء الله أن يكون النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أباً لبنات ليكون القدوة للمؤمنين فيما ينبغي للبنت من حقوق ومكانة لائقة أقرها لها الدين الإسلامي الحنيف.
فأبوة الرسول –صلى الله عليه وسلم- لبناته حدثاً جديداً في حياة المرأة، وفي هذا قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –: "والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم .
ومنها : أيضاً - والله أعلم - (حتى يكون النبي –صلى الله عليه وسلم- بعيداً عن تهمة الاستنصار بالولد، والاعتماد عليه ) كما هي عادة العرب في ذلك الوقت.بل أن ما جاء به من دين نُشر في الأرض لأنه هو الحق ولا حق سواه، والحق دائماً أظهر وأقوى.
وقد كان العربي في الجاهلية يترقب الأولاد للوقوف إلى جانبه ومساندته، والدفاع عن الحوزة وحماية البيضة، أما البنت فكان التخوف من عارها يحملهم على كراهتهاحتى بعث الله نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- بالدين الإسلامي خاتم الأديان الذي ارتضاه الله عزَّ وجل لعباده قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}  وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}
فحفظ الإسلام للبنت حقوقها وأنزلها المنزلة اللائقة بها ووعد من يرعاها ويحسن إليها بالأجر الجزيل وجعل حسن تربيتها ورعايتها والنفقة عليها سبب من الأسباب الموصلة إلى رضوان الله وجنته، جاء في الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه"أخرجه مسلم.
يلاحظ في هذا الحديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ضم أصابعه، ولم يفرق بينهما كناية عن شدة قرب من عال جارتين من الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الجنة. وفي الحديث الآخر عن عائشة –رضي الله عنها– قالت: "دخلت علىّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي –صلى الله عليه وسلم- علينا، فأخبرته فقال: "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" أي حجاباً ووقاية من النار ، متفق عليه .
أيُّ فضل أعظم من هذا الفضل ! وأيُّ أجر أعظم من هذا الأجر !.
وعلى الرغم من هذا الأجر العظيم الوارد في فضل تربية البنات والإحسان إليهن إلاَّ أن هناك من الناس من لا يُسر لمولد البنت –والعياذ بالله- فيظهر الهمَّ والحزن! وما هذا إلا جهل واعتراض على قدر الله، والبعض يفرط ويقصر في تربية وتوجيه بناته ولا يرعاهن الرعاية المطلوبة منه.
ولو أن الإنسان تفقه في دين الله ووقف عند حدوده واقتفى أثر الرسول –صلى الله عليه وسلم- في كل أمر من أمور حياته لعاش مطمئناً مرتاح البال قرير العين، ولعرف كيف يعبد ربه، وكيف يتعامل مع إخوانه، وأهله، وزوجته، وكيف يربي أولاده فالحمد لله أنه ما من خير إلاَّ ودلنا ديننا الإسلامي الحنيف عليه وما من شر إلاَّ وحذرنا منه.
تربية النبي –صلى الله عليه وسلم- لبناته في مرحلة الطفولة:من هديه –صلى الله عليه وسلم- في تربية بناته في مرحلة الطفولة أنه كان يُسَّر ويفرح لمولد بناته رضي الله عنهن فقد سُرَّ واستبشر –صلى الله عليه وسلم - لمولد ابنته فاطمة رضي الله عنها وتوسم فيها البركة واليمن، فسماها فاطمة، ولقبها بـِ (الزهراء) وكانت تكنى أم أبيها .
وفي هذا درس عظيم من دروس السيرة النبوية بأن من رزق البنات وإن كثر عددهن عليه أن يظهر الفرح والسرور ويشكر الله سبحانه وتعالى على ما وهبه من الذرية، وأن يعزم على حسن تربيتها، وتأديبها، و على تزويجها بالكفء "التقي" صاحب الدين حتى يظفر بالأجر الجزيل من الله.ففاطمة –رضي الله عنها– كانت البنت الرابعة للنبي–صلى الله عليه وسلم-، و هي أصغر ذريتة –صلى الله عليه وسلم- .
وفي مرحلة الطفولة يلزم  الأبوين الاهتمام بالطفل وتوفير كافة الاحتياجات الخاصة بهذه المرحلة، الحاجات الجسمية والنفسية؛ وبالذات الأم فعليها تقع المسؤولية الكبرى في رعاية أولادها في مرحلة الطفولة فهم أكثر ما يكونون التصاقاً بها وقد حرصت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– على تربية ورعاية أولادها منذ ولادتهم (وكانت إذا ولدت ولداً دفعته إلى من يرضعه في البادية حتى ينشئوا على الفصاحة والشجاعة كما كانت عادة قريش.لا كما يفعله بعض الأمهات في زماننا من دفع أولادهم إلى الخادمات والمربيات الأمر الذي قد يحصل معه خلل في عقيدة الطفل وسلوكه.
وفي هذه المرحلة –مرحلة الطفولة- يجب على الأبوين أن يلقنا البنت مبادئ الإسلام، والعقيدة الصحيحة، وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة، والتعوّد على لبس الحجاب حتى تنشأ البنت على ذلك منذ نعومة أظفارها.
رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم- لبناته في مرحلة الصبا:وإذا كبرت البنت قليلاً وجب على والديها أن يعلماها حقوق الله سبحانه وتعالى، وحقوق الوالدين، وحقوق الآخرين وحسن الخلق وحسن التصرف في شتى الأمور، وعلى المحافظة على لبس الحجاب والتستر والبعد عن أعين الرجال حتى تنشأ البنت على التربية الإسلامية الصحيحة تعرف ما يجب لها وما يجب عليها.
مع الأخذ في عين الاعتبار إعدادها لما هو منتظر منها من دور هام في الحياة بأن تكون زوجةً صالحة، وأماً حانية تربي أولادها وتعدهم لأن يكونوا صالحين مصلحين؛ "لأن للمرأة المسلمة أثراً كبيراً في حياة كل مسلم، فهي المدرسة الأولى في بناء المجتمع الصالح، وخاصة إذا كانت هذه المرأة تسير على هدى من كتاب الله في كل شيء ].
وإذا قربت البنت من سن البلوغ (التكليف) يجب أن تدرب على أن تكون زوجة، وأماً وهذه هي سنة الله في خلقه وعلى الأم تقع مسؤولية ذلك، فقد بادرت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– بتمرين ابنتها الكبرى زينب –رضي الله عنها– عندما كبرت على المشاركة في أعمال البيت والتدريب على الأمومة فكانت (زينب) لشقيقتها الصغرى فاطمة أماً صغيرة ترعى شؤونها وتمضى فراغها في ملاعبتها .
ولقد صدق القائل: "إن الفتاة المتعلمة المهذبة فخر لأهلها وعون لبعلها، وكمال لبنيها، أهلها بها يفتخرون، وأولادها بها يسعدون، ومن ذا الذي لا يسرّ فؤاده بابنته الأديبة التي تدبر الأمور المعاشية بالمعرفة، وتدير الحركة المنزلية بالحكمة، ويجد في مجالستها أنيساً عاقلاً وسميراً كاملاً".
تزويج النبي –صلى الله عليه وسلم- لبناته:
الزواج سنة من سنن الله في خلقه، وأمر مرغوب فيه حثَّ إليه ديننا الحنيف ودعى إليه قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[34] وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}.
وامتثالاً لأمر الله عز وجل وأمر رسوله –صلى الله عليه وسلم- يجب على الأب أن يزوج بناته و لا يعضلهن ويمنعهن من الزواج لأي سبب من الأسباب فواجب الأب أن يزوج ابنته وأن يختار لها الكفء من الرجال والكفء معروف هو صاحب الدين والخلق قال النبي –صلى الله عليه وسلم– "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" أخرجه الترمذي
وقد زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- جميع بناته من خيرة الرجال: فزوج زينب –رضي الله عنها- من أبي العاص بن الربيع القرشي -رضي الله عنه- وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد وأبو العاص كان من رجال مكة المعدودين مالاً، وأمانة، وتجارة .
وقد أثنى النبي –صلى الله عليه وسلم- على أبي العاص بن الربيع في مصاهرته خيراً وقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" وكان قد وعد النبي أن يرجع إلى مكة، بعد وقعة بدر، فيبعث إليه بزينب ابنته، فوفى بوعده، وفارقها مع شدة حبه لها .
ومما يدل على شهامته وصدقه قصة إسلامه -رضي الله عنه- فقد كان في تجارة لقريش إلى الشام وفي طريق عودته إلى مكة المكرمة لقيته سرية فأخذوا ما معه، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب – وقد كانت في المدينة وفرق بينهما الإسلام فهو لم يدخل في الإسلام بعد – فاستجار بها فأجارته وخرجت والنبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالناس الفجر فقالت: "أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع" فلما سلم الرسول –صلى الله عليه وسلم- أقبل على الناس فقال: "أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت ؟" قالوا :"نعم" قال: "أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيىء حتى سمعت ما سمعتم وأنه يجير على المسلمين أدناهم" ثم انصرف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فدخل على ابنته زينب فقال: "أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له" قال: وبعث –صلى الله عليه وسلم- فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئاً فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال: "يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟" قالوا: "لا فقد وجدناك وفياً". قال: "فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلاَّ تخوف أن يظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت .
وقد زوجه النبي –صلى الله عليه وسلم- من ابنته زينب عندما طلبت منه أمها خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها- أن يزوجها له فوافق النبي –صلى الله عليه وسلم- على طلبها ، لما يعرف من رجاحة عقلها وثقتها بابن أختها فكانت تعده بمنزلة ولدها.
وهنا درس نبوي كريم في تزويج البنات هو أنه لا مانع من أخذ رأي والدة البنت والتشاور معها ففي ذلك إكراماً لها واعترافاً بحقها.
وزوَّج النبي –صلى الله عليه وسلم- رقية من عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الخليفة الراشد الزاهد الجواد السخي الحيي، وكان من أبرز أخلاقه وأشدها تمكناً من نفسه خلق الحياء، الذي تأصل في كيانه؛ لذا فقد أشاد الرسول –صلى الله عليه وسلم- بهذا الحياء الواسع العميم فقال: "إن عثمان رجلٌ حييّ" ، وقال – صلى الله عليه وسلم : "ألاَّ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " أخرجه مسلم .
وكان النبي – صلى الله عليه وسلم - يحبه كثيراً فلما توفيت رقية –رضي الله عنها– زوجه النبي –صلى الله عليه وسلم- بأختها أم كلثوم ولما ماتت أم كلثوم قال النبي –صلى الله عليه وسلم- "لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان"
وزوَّج فاطمة –رضي الله عنها– من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ابن عمه –صلى الله عليه وسلم- وكان أول من آمن برسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الصبيان ، وكان قد تربى في حجر الرسول –صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام ولم يزل علي مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-حتى بعثه الله نبياً
يقول ابن كثير رحمه الله: "كان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق حتى نخفف عنه من عياله"، فأخذ رسول الله– صلى الله عليه وسلم - علياً فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله حتى بعثه الله نبياً فاتبعه علي وآمن به وصدقه"
و البنت أمانة في بيت والديها ولابد أن تنتقل إلى بيت زوجها يوماً ما، وقد أوجب لها ديننا الإسلامي الحنيف حق الاستئذان في الزواج فلا يحل لوليها أن يعقد لها على رجل تكرهه قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولاتنكح البكر حتى تستأذن".قالوا: "يا رسول الله، وكيف إذنها؟" قال: "أن تسكت" أخرجه البخاري
فكلمة تستأمر في حق الثيب تفيد طلب الأمر فلا يعقد عليها إلاَّ بعد طلب أمرها وإذنها بذلك، وكلمة تستأذن في حق البكر تعنى طلب إذنها وموافقتها على النكاح ، وإذا عقد الأب لابنته وهي كارهة فالعقد مردود "عن خنساء بنت خدام الأنصارية:أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فرد نكاحها ، أخرجه البخاري في صحيحه .
و كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يستشير بناته قبل تزويجهن فعندما خطب علي -رضي الله عنه- فاطمة –رضي الله عنها– قال لها الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "إن علياً يذكرك" فسكتت فزوجها " أخرجه ابن سعد في الطبقات .
وهنا يجب على الآباء أن يتأكدوا من موافقة البنت قبل إجراء العقد لها.
ويخطئ بعض الآباء من ترديد كلمة نحن أعلم بمصلحتها – لا شك– أن الأب يفوق ابنته في الخبرة، وطول التجربة في الحياة، ومعرفة الرجال ولكن على الرغم من ذلك يجب عليه أن لا يحيد عن تعاليم الإسلام، ولا يجبر ابنته على رجل تكرهه بل عليه أن يستأذنها ويعرف رأيها قبل إجراء عقد النكاح، وفي ذلك خير كبير حيث تشعر البنت بكيانها وأهميتها وتبدى رأيها في الرجل الذي ستنتقل إلى بيته وهو أدعى لدوام السعادة والوفاق لاقتناع كل من الطرفين بصاحبه فالزوج أباح له الإسلام النظر إلى من ينوى نكاحها، وهي كذلك تراه وتستشار في الموافقة على إجراء العقد وهذه من عظمة ديننا الإسلامي الحنيف.
صداق بنات النبي صلى الله عليه وسلم
والصداق في الزواج حق من حقوق الزوجة يدفعه لها الزوج قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} وسنة النبي –صلى الله عليه وسلم– وهديه عدم التغالي في الصداق، بل إن خير الصداق أيسره قال الإمام ابن القيم –يرحمه الله-: "إن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعسره " فقد زوَّج النبي –صلى الله عليه وسلم- بناته على اليسير من الصداق فبعد أن تمت الموافقة على زواج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من فاطمة حُب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأصغر بناته جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- فسأله النبي "ما تصدقها؟" فقال علي: "ما عندي ما أصدقها" فقال الرسول –صلى الله عليه وسلم- "فأين درعك الحطمية التي كنت قد منحتك؟" قال علي: "عندي". قال النبي–صلى الله عليه وسلم- "أصدقها إياها" فأصدقها و تزوجها وكان ثمنها أربعمائة درهماً ، أخرجه ابن سعد في الطبقات
هذا هو صداق بنت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وحبه وأصغر بناته سيدة نساء أهل الجنة.
وما يفعله بعض الناس في زماننا من التغالي في المهور هو أبعد ما يكون عن هدي رسول الله –صلى الله عليه- و هو أمر خطير له أضراره على الفرد وعلى المجتمع والدين الإسلامي دين اليسر والسهولة
وفي أمر الزواج لا يقتصر اليسر على الصداق بل يمتد إلى الوليمة التي يُشهر بها الزواج وهي أمر دعى إليه الإسلام وحثَّ عليه فكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يولم في زواجه باليسير من النفقة، فعن صفية بنت شيبة قالت: "أولم النبي –صلى الله عليه وسلم- على بعض نسائه بمدين من شعير"
وكذلك في زواج أصحابه رضي الله عنهم فعن أنس -رضي الله عنه -: "أن النبي –صلى الله عليه وسلم- رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال: "ما هذا؟" قال: "إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب"، قال: "بارك الله لك، أولم ولو بشاة" رواه البخاري.
وفي زواج بناته رضي الله عنهن كذلك مظهر من مظاهر اليسر في الوليمة ففي ليلة زواج فاطمة رضي الله عنها قال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "يا علي لا بد للعروس من وليمة". فقال سعد بن معاذ -رضي الله عنه-: "عندي كبش". وجمع رهط من الأنصار أصواعاً من ذرة وأولم الرسول –صلى الله عليه وسلم - أخرجه ابن سعد في الطبقات.
رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم- لبناته بعد الزواج:يختلف الناس في النظر إلى علاقة البنت بوالديها بعد الزواج: فمنهم من يرى أنه يجب على الأبوين أن يتركوا البنت وشأنها بعد الزواج لدرجة أن علاقتهم بها شبه مقطوعة فلا تزاور من طرف الأهل، بزعمهم أن هذا أدعى لسعادتها الزوجية واستمرار العلاقة بينها وبين زوجها وأهله.
وفي المقابل نجد أن هناك من الأسر من يتدخل في حياة ابنتهم بشكل مباشر فيتطلعون إلى معرفة كل صغيرة وكبيرة في حياة ابنتهم، ولهذا التدخل سلبياته التي تؤدي إلى إفساد الحياة الزوجية، لدرجة قد تصل إلى الطلاق! فما هو الهدي النبوي في هذا الجانب من حياة البنات؟.
كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يزور بناته بعد الزواج ويدخل عليهن الفرح والسرور، فقد زار النبي –صلى الله عليه وسلم- فاطمة –رضي الله عنها– بعد زواجها ودعا لها ولزوجها بأن يعيذهما الله وذريتهما من الشيطان الرجيم .
ولم يكن يشغله –صلى الله عليه وسلم- عن بناته –رضي الله عنهن– شاغل بل كان يفكر فيهن وهو في أصعب الظروف وأحلكها فعندما أراد النبي –صلى الله عليه وسلم- الخروج لبدر لملاقاة قريش وصناديدها كانت رقية –رضي الله عنها– مريضة فأمر النبي –صلى الله عليه وسلم- زوجها عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أن يبقى في المدينة؛ ليمرضها وضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة .
ويجب على الأب أن يحافظ على بيت ابنته وسعادتها مع زوجها وأن يتدخل إذا لزم الأمر ويحرص على الإصلاح بينها وبين زوجها بشكل يضمن إعادة الصفاء إلى جو الأسرة.
فقد حدث أنه كان بين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وزوجته فاطمة الزهراء –رضي الله عنها– كلام فدخل عليهما النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى أصلح ما بينهما .
وأحياناً يقع الطلاق على الزوجة ظلماً وعدواناً، عندها تحزن البنت كثيراً ويحزن أهلها لحزنها، والعزاء في ذلك أن ابنتي الرسول –صلى الله عليه وسلم-: رقية وأم كلثوم طلقتا من عتبة وعتيبة ابنا أبي لهب ظلماً بدون سبب إلاَّ أنهما صدقتا ما قاله النبي –صلى الله عليه وسلم-: من أنه أوحي إليه وأنه نبي هذه الأمة، الكلام الذي أغضب قريش فقد تزوج عتبة بن أبي لهب من رقية بنت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} قال أبو لهب: "رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق بنت محمد ففارقها قبل الدخول" .
ولم يكتف أبو لهب بذلك بل أمر ابنه عتيبة أن يطلق أم كلثوم بنت النبي –صلى الله عليه وسلم- ظناً منه أنه بذلك يستطيع أن يشغل النبي –صلى الله عليه وسلم- عن دعوته .
هنا درس للبنات وللآباء بأن يصبروا ويحتسبوا الأجر من الله جلَّ وعلا، وأن ما وقع من الطلاق ظلماً ما هو إلاَّ ابتلاء سوف يعوضهم الله خيراً فقد عوض الله ابنتي الرسول –صلى الله عليه وسلم- خيراً من عتبة وعتيبة، عوضهما زوجاً صالحاً كريماً هو عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أحد العشرة المبشرين بالجنة وثالث الخلفاء الراشدين، فقد تزوج عثمان -رضي الله عنه- برقية وبعد وفاتها تزوج بأختها أم كلثوم قال الله تعالى: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً}
وقد يحدث أن يفقد الأب بعض بناته بموتهن فالموت نهاية كل حي وهو المصير المحتوم الذي لا مفر منه قال الله تعالى:
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ}
وليعلم من ابتلى بفقد إحدى بناته أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- فقد جميع ذريته من الذكور والإناث ولم يبق بعد وفاته إلاَّ فاطمة الزهراء –رضي الله عنها- وهديه –صلى الله عليه وسلم- في وفاة بناته رضي الله عنهن، أنه كان يحزن لوفاتهن وتذرف عيناه الدمع على فراقهن، يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه- في نبأ وفاة أم كلثوم –رضي الله عنها–"شهدنا بنتاً لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- جالسٌ على القبر، قال فرأيت عينيه تدمعان، وقال: "هل منكم رجل لم يقارف الليل؟" قال أبو طلحة: "أنا" قال: "فانزِل" قال: "فنزل في قبرها " رواه البخاري.
والدموع هذه ليست دموع جزع وسخط من قضاء الله وقدره -والعياذ بالله- إنما هي دموع رحمة وشفقة تذرف من عيون الرحماء روى أسامة بن زيد –رضي الله عنه- قال: "أرسلت ابنة النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه: أن ابناً لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ ابن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال فرُفع إلى رسول
الله –صلى الله عليه وسلم- الصبي ونفسه تتقعقع – قال: حسبته قال:كأنها شن- ففاضت عيناه، فقال سعد: "يا رسول الله ما هذا؟" فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"  رواه البخاري
ومن هديه –صلى الله عليه وسلم- في وفاة بناته –رضي الله عنهن– أنه كان يشرف على غسلهن وتكفينهن، ويصلى عليهن ويدفنهن، ويقف على قبورهن ويدعو الله لهن. فعن أم عطية –رضي الله عنها- قالت: "دخل علينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ونحن نغسل ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً. فإذا فرغتن فآذنني". فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوة فقال: "أشعرنها إياه".
وفي كيفية الغسل قالت أم عطية –رضي الله عنها- قالت: "لما غسلنا بنت النبي –صلى الله عليه وسلم-، قال لنا ونحن نغسلها: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" أخرجه البخاري .
وكان –صلى الله عليه وسلم- يقف على قبر من توفي من بناته ويدعو لها فقد كانت رقية –رضي الله عنها– مريضة أثناء غزوة بدر فأمر النبي –صلى الله عليه وسلم- زوجها عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بالبقاء إلى جانبها لتمريضها. ولما عاد –صلى الله عليه وسلم- من الغزوة وقد ماتت ابنته رقية، خرج إلى بقيع الغرقد ووقف على قبرها يدعو لها بالغفران
فنسأل الله تعالى أن يصلح  بناتنا و يرزقهن العفاف والستر والاقتداء بأمهات المؤمنين وبنات الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم .

Blog Widget by LinkWithin
Footer Banner
تابعوا الباقة الرمضانية على مدونة BOOKS من Alph@.M

تبادل إعلاني

تبادل إعلاني
تبادل إعلاني تبادل إعلاني

Follow this site

Chat with me

Followers

حقوق الطبع والنشر :

يحق لجميع القراء نقل و نشر جميع المقالات الموجودة على أي مدونة من مدونات (Alph@.M) ولكن بعد الإلتزام بالشروط التالية :

1) أن لا يتم التعديل في أي من محتوياتها إلا في حالة وجود خطأ ما ويكون التعديل قاصر على هذا الخطأ فقط لا غير .
2) لا يحق للقارئ الذي يطبع مقالات (Alph@.M) على موقعه أو مدونته مسح أي علامة أو رابط يدل علي المدونة أو اسم الشركة .
3) يجب على المدون أو الناشر الذي يطبع أي مقالة من مقالاتنا على مدونته أو موقعه أن يضع إسم الشركة متصلاً برابط للمدونة التي نقل منها المقال على النحو التالي :
المصدر : Alph@.M

4) هذه الإتفاقية تقبل ككل أو ترفض ككل .